اسماعيل بن محمد القونوي
125
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الموجودات من السماوات وما فيها من الكواكب والأرض وما عليها من غرس الأشجار وتحصيل الثمار ونقل المياه وحفر الآبار وكري الأنهار وغير ذلك مما لا يحصى ولا يستقصى ولا يمكن تحصيل ذلك إلا بالقوى التي تحققت في بني آدم دون الملائكة قوله ( من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف ) إذ به يتم تكميل النفوس وتنفيذ أمر اللّه تعالى وعمارة الأرض الأولى أن يقال الذي هو فائدة الاستخلاف بدل هو المقصود . قوله : ( وإليه أشار ) كأنه قيل إنه كان ينبغي أن يبين اللّه تعالى ذلك للملائكة حتى يندفع ما في صدورهم من الاختلاج والاضطراب فأشار المصنف إلى أنه تعالى بينه ( إجمالا بقوله ) مؤكدا بتأكيدات إيراد الجملة الاسمية وحرف التحقيق وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إما لأنها في جواب السؤال الذي يستحسن تأكيده أو لكمال العناية بشأن الجملة أو للمبالغة في تحقق مضمونها وأما القول بأنه لتنزيلهم منزلة المنكر لما اعترض لهم من الشبهة التي لا ينبغي أن تعرض فهو من طغيان القلم فإن ساحتهم مبرّأة عن مثل هذا التنزيل الذي لو تحقق في أحد ما لكان كفرا وقال أبو البقاء وغيره إن أعلم هنا اسم تفضيل بمعنى عالم فما في محل جر بالإضافة أو منصوب بأعلم ولم ينون لعدم انصرافه بإجماع النحاة وقيل أعلم على بابها والمفضل عليه محذوف أي علم منكم وما منصوبة بفعل محذوف دل عليه اعلم أي علمت ما لا تعلمون كذا في اللباب والاحتمال الراجح الخالي عن التكلف كون أعلم فعلا مضارعا وما مفعول به سواء كانت موصولة أو موصوفة والعائد محذوف لرعاية الفواصل فهي إما عبارة عن الأشياء كائنة ما كانت للإشارة إلى برهان ما هو المقصود أعني علم ما هو المقصود من دواعي الخلافة كأنه قيل إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من دواعي الخلافة لأني أعلم كل شيء من الغيب والشهادة فمن هو هذا شأنه فهو عالم بدواعي الخلافة وبمن هو يليق بالخلافة أو عبارة عن دواعي الخلافة بقرينة المقام وهذا هو الأوفق بتقرير كلام المصنف وما ذكرناه أبلغ في تحقيق الجواب واللّه أعلم بالصواب « 1 » . قوله : ( والتسبيح تبعيد اللّه تعالى عن السوء وكذلك التقديس ) أي اعتقاد تنزهه وتقدسه عن السوء وإلا فهو سبحانه وتعالى منزه عن السوء في الأزل فما معنى تبعيده « 2 » قوله : والتسبيح تبعيد اللّه أقول كان ينبغي أن يقدم بيان معنى التسبيح والتقديس على قوله تعالى : قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] لأن التسبيح والتقديس وقعا في جانب السؤال وهذه الآية جواب السؤال فالأولى أن يتقدم بيانهما على الجواب أيضا فلعل تأخيره هذا عن الجواب وتقديم الجواب عليه لما في هذا الجواب من إشارة إجمالية إلى ما حققه من الكلام المذكور فأراد أن لا يفصل بينهما بأجنبي .
--> ( 1 ) فلا يرد إشكال مولانا أبي السعود ليس المراد به بيان أنه تعالى يعلم ما لا يعلمونه من الأشياء كائنا ما كان فإنه لا شبهة فيه لهم حتى يفتقروا إلى التنبيه عليه . ( 2 ) هذا معنى شرعي له ومعناه اللغوي مطلق التبعيد ولم يتعرض له لأنه غير مقصود هنا .